ابن أبي مخرمة
58
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
وله ألفاظ حكيمة ، وكلمات أدبية تجري مجرى الأمثال السائرة ، منها قوله : كتمان السر رأس مال الملوك . الإلحاح في مطالبة المفلس يؤدي إلى الإنكار . الإفراط في المزح يؤدي إلى العداوة ، ونحو ذلك من الألفاظ الرشيقة . وكان شاعرا فصيحا ، ومن شعره قوله : [ من الكامل ] كم بين قول فتى أبي عن جده * وأبي أبي فهو النبي الهادي وفتى يقول حكى لنا أشياخنا * ما ذلك الإسناد من إسنادي ومنه كما كتبه جوابا إلى السلطان الظاهر غازي بن الملك الناصر يوسف بن أيوب صاحب حلب ، وقد كتب إليه يدعوه إلى دخول العراق ، ويبذل نفسه للقيام بخدمته ، فأجابه ، وضمّن الجواب شعرا أوله : [ من المتقارب ] أتهجر معتمدا دارها * وتولي الملامة من زارها وفيها يقول : إلى حلب حيث صيد الملو * ك تحثو وتكرم زوارها سلالة من شاد دين الإل * ه وطهر بالسيف أوزارها فمات وأبقى لنا بعده * شموس المعالي وأقمارها وكانت دعوته في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة ، وتابعه السيدان الأميران شيخا آل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : يحيى ومحمد ابني أحمد بن يحيى الهادي وكافة علماء الزيدية ، واتصلت دعوته بالحجاز ، فقام بها الشريف قتادة بن إدريس صاحب مكة أتم قيام ، وأنفذ دعوته إلى الجيل والديلم والري ، فتابعه الزيدية ، وارتفع صيته ، وخافه العباسيون ببغداد ، وكتب دعوته إلى خوارزم شاه صاحب خراسان ، فتلقاها بأحسن التلقي ، وأعطى الشريف القادم بها مالا جزيلا . وهو الذي عمر حصن ظفار ، وحصنه وشيده ، وعمر مدارس العلم ، وجمع في خزانته من الكتب ما ليس يلفى في سائر الخزائن ، وأوقع بالمطرفية ، فرقة من الزيدية ينتسبون إلى مطرف بن شهاب ، ولهم اعتقادات فاسدة ، منها قولهم : التأثير في العالم للطبائع الأربع ، وأن الخلقة الشوهاء وحشرات الأرض وغير ذلك ليس من اللّه ولا باختياره ، وكان قد فشا